هشام جعيط
37
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
رستم لم يقدموا الاسلام لحمل الغير على اعتناقه وإنما للتعريف بذاتيتهم الجديدة ومن أجل إفهام وشرح معجزة تلاحمهم . لقد أخلى المظهر الكوني المجال لصالح البعد القومي ، فكان إسلامهم إسلام البعث الأخلاقي للأمة أكثر مما كان وحيا بالمطلق . وواضح أن تأويل الإسلام في المنحى السياسي التاريخي لم يكن من سمات الخطاب المتأخر لعصر التصنيف المذهبي . فاما أنّه يعبّر عن مجتمع مهيمن قريب من تاريخه ، مستفهما مغامرته ( كوفة سنة 100 ه ) واما أنه يستعيد خاصيات عتيقة . والأمر الأكثر احتمالا أنه تمّ المزج بين هاتين اللحظتين في المجتمع العربي ، لحظة الفتح الحقيقي ولحظة رؤية هذا الفتح . معركة القادسية 1 ) الاستعدادات النهائية لقد تمت هذه المواجهة الايديولوجية عن طريق السفارات حين تواجه الجيشان قبيل القتال ، وحين احتلت الأطراف المتواجهة مواقعها . استقر العرب بعد مرحلة شراف ، في قلعة العذيب المهجورة حيث بقي سعد مريضا غير قادر على الحركة طيلة المعركة ، بينما خرج أكثر الجيش في اتجاه الفرات بين خندق سابور والعتيق ، الملاصق لقرية قادس أو قديس « 1 » . ويحتمل أن كلمة قادسية لم تكن تدل في ذلك الوقت على اسم قرية بل على المنطقة التي حددها الخندق والعذيب والعتيق « 2 » . أما رستم ، فقد استقر في النجف أول الأمر ، ثم عسكر بين الحصن والعتيق : كان الجالينوس يوجد آنذاك إلى الجنوب ، بين النجف والسيلحين وعسكر ذو الحاجب بين رستم والجالينوس « 3 » . وسيدور القتال بين العرب والفرس وراء الفرات ، على حدود البادية العربية ، فيبقى للعرب إمكان الرجوع إلى صحرائهم . كان هؤلاء وأولئك يوجدون في أسفل منحدرات الطفّ ، بوادي الفرات . أما الفرس فقد انتشروا على ثلاثة عشر صفا حذو الفرات . وأما العرب فهم إلى الغرب وعلى ثلاثة صفوف فقط فرسانا ومشاة ونشّابة « 4 » وكان العتيق يفرق بينهم . وقد مر معنا أن الجيش العربي كان يعد 30000 رجل على أقل تقدير ، وربما تجاوز
--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 494 الذي يقول : « ونزل زهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسية اليوم » . وهذا يدلّ على أن قرية القادسية لم تكن موجودة في تلك الفترة . أما كلمة قادس التي يستعملها ابن إسحاق فيظهر أنها تعبر عن قرية قديس كما يذكرها سيف . ولعلّ التسمية الجماعية ( قوادس ) تشير إلى المنطقة كافة وهذا ما لا يراه صالح العلي . والملاحظ أن العتيق وصف بأنه كان مجرى قديما للفرات ، وكان يصب في الجوف ثم تحول إلى قناة . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 510 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 559 ، والدينوري ، الأخبار الطوال ، ص 122 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 559 ، والدينوري ، الأخبار الطوال ، ص 122 .